Skip to main content

للذهب مشكلة واحدة مع صورته في أذهان المستثمرين: أنها شديدة الكمال. فالمعدن الذي راكم عبر القرون سمعة الأصل الذي يلوذ به المال حين تضطرب السياسة وتختل الأسواق، بات يُعامل أحيانًا كما لو أنه ضمانة تلقائية ضد كل خوف. غير أن السوق، كعادتها، أقل رومانسية من السرديات الشائعة. الذهب ينجح كثيرًا في لعب دور الملاذ الآمن، نعم، لكنه لا يفعل ذلك دائمًا، ولا بالدرجة نفسها، ولا في كل أزمة. فبين الخوف الذي يدفع إلى الاحتماء، والخوف الذي يدفع إلى التسييل، مسافة كبيرة، وفي تلك المسافة تحديدًا تظهر حقيقة الذهب لا صورته الدعائية.

المشكلة تبدأ أصلًا من الخلط بين مفاهيم متجاورة لكنها ليست واحدة. فالدراسة المرجعية لدرِك باور وبريان لوسي فرّقت بوضوح بين الأصل الذي يوفّر تنويعًا في الظروف العادية، والأصل الذي يتحوط في المتوسط، والأصل الذي يعمل كملاذ آمن في لحظات الاضطراب الحاد. وخلصت إلى أن الذهب يمكن أن يكون تحوطًا للأسهم على المدى العام، وملاذًا آمنًا في ظروف الانهيار الحاد في أسواق الأسهم، لكن هذه الخاصية ليست دائمة ولا مفتوحة زمنيًا. بعبارة أخرى، الذهب لا يحمي من كل شيء، بل من أنواع محددة من الصدمات، وفي نوافذ زمنية محددة أيضًا.

ليست كل أزمة واحدة

حين ننظر إلى السجل الفعلي لا إلى الانطباعات، يصبح المشهد أكثر دقة. البنك المركزي الأوروبي أشار في مراجعة حديثة إلى أن الذهب يؤدي، في العموم، دور الملاذ الآمن خلال فترات الضغط، ولا سيما عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية أو يشتد عدم اليقين في السياسات. وفي الصدمات المركبة، حين يتزامن التوتر الجيوسياسي مع تقلبات الأسهم وارتباك السياسات، قد يرتفع الذهب حتى جنبًا إلى جنب مع الدولار، بينما تتراجع الأسهم والسندات بوضوح. أي أن الذهب لا ينجح لأنه “ضد كل شيء”، بل لأنه يستفيد من نوع معين من القلق: القلق الذي يدفع إلى إعادة توزيع المخاطر، لا إلى تصفية كل ما يمكن بيعه.

وهذا ليس استنتاجًا نظريًا فقط. فالإقبال الرسمي على الذهب في الأعوام الأخيرة يوحي بأن المؤسسات النقدية نفسها تتعامل معه بهذه العقلانية الباردة. فالبنك المركزي الأوروبي أشار إلى أن حصة الذهب في الاحتياطيات الرسمية العالمية ارتفعت إلى 20% بنهاية 2024، متجاوزة حصة اليورو عند 16%، مدفوعة بارتفاع الأسعار وبمشتريات قوية من البنوك المركزية. وفي الاتجاه نفسه، أوضح مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية أضافت 1045 طنًا إلى احتياطياتها في 2024، لتصبح تلك السنة الثالثة على التوالي التي تتجاوز فيها المشتريات الرسمية مستوى 1000 طن، وهو رقم أعلى بكثير من متوسط العقد السابق.

الأكثر دلالة من الأرقام نفسها هو ما تقوله النوايا. ففي مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2025، قال 95% من المشاركين إنهم يتوقعون ارتفاع احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا التالية، فيما رأى 43% أن احتياطيات بنوكهم نفسها ستزداد، من دون أن يتوقع أيٌّ منهم تراجعها. كما أن أبرز الدوافع المعلنة لهذه الزيادة كانت أداء الذهب في أوقات الأزمات، ودوره في التنويع، وقدرته على التحوط من التضخم. وهذا يعني أن مكانته ليست مجرد إرث تاريخي، بل خيارًا إستراتيجيًا متجددًا في عالم يزداد قلقًا من العقوبات والتجزئة الجيوسياسية وتقلبات النظام النقدي.

حين تسبق السيولةُ الخوف

لكن الذهب يفشل أو يتعثر حين تتغير طبيعة الأزمة. وأول هذه التحولات هو أن تصبح الأزمة أزمة سيولة لا أزمة ثقة فقط. ففي مارس 2020، خلال ذروة اضطراب الجائحة، سجّل الذهب هبوطًا بلغ 7% عند القاع الشهري قبل أن يرتد لاحقًا. مجلس الذهب العالمي شرح ذلك بوضوح: ما حدث لم يكن نفيًا لدور الذهب الدفاعي، بل نتيجة تصفيات واسعة عبر مختلف فئات الأصول، غذّتها المراكز الممولة بالرافعة المالية والحاجة إلى النقد والضمانات. واللافت أن المجلس ذكّر بأن الذهب شهد نمطًا مشابهًا في 2008، حين تراجع بين 15% و25% في بعض الفترات قبل أن ينهي العام كأحد الأصول القليلة التي سجلت عائدًا إيجابيًا.

هنا تحديدًا تظهر إحدى أهم مفارقات المعدن الأصفر: الذهب قد يهبط في اللحظة التي يبدو فيها، نظريًا، الأكثر استحقاقًا للصعود. لا لأن المستثمرين كفّوا عن الإيمان به، بل لأنهم يحتاجون إلى ما هو أسرع من الإيمان: السيولة. ففي أوقات الذعر الشامل، يُباع الذهب أحيانًا لأنه أصل جيد، سائل، ويمكن تسييله بسرعة لتغطية خسائر أو طلبات هامش في أماكن أخرى. وحتى عندما يبدو ضعيفًا على شاشة الدولار، قد يظل يؤدي دورًا دفاعيًا لمستثمرين يقيسون ثرواتهم بعملات أخرى؛ فمجلس الذهب العالمي أشار في تلك الفترة إلى أن أداء الذهب كان إيجابيًا بالجنيه الإسترليني واليورو والروبية الهندية، حتى عندما بدا سلوكه أقل بريقًا بالدولار.

التحول الثاني يحدث حين يسبق الدولارُ الذهبَ إلى موقع الملاذ الأول. ففي ذروة أزمة ديون أوروبا عام 2011، وصفت رويترز المشهد بعبارة شديدة الدلالة: سندات الخزانة الأميركية والدولار “باتا يلمعان أكثر من الذهب”. وما بدا وقتها استثناءً، تفسره اليوم أوراق بحثية أحدث لصندوق النقد الدولي على نحو أكثر منهجية؛ إذ تُظهر أن صدمات “الهروب إلى الأمان” غالبًا ما ترتبط بصعود الدولار العالمي، مدفوعة باعتبارات السيولة والعائد التفضيلي للأصول الأميركية الآمنة، وبأن ارتفاع الدولار نفسه ينقل آثارًا سلبية قوية إلى الأسواق الناشئة. حين يحدث هذا، لا يخسر الذهب مكانته بالكامل، لكنه يجد نفسه في المرتبة الثانية داخل سباق النجاة.

حين ترتفع الفائدة من داخل الحرب

أما التحول الثالث، وهو الأكثر التباسًا للمستثمرين، فيحدث عندما تتحول الأزمة الجيوسياسية نفسها إلى صدمة تضخمية. فالذهب، رغم سمعته كحماية من الاضطراب، يظل أصلًا لا يوزّع عائدًا. وهذا يصبح عبئًا عليه عندما تؤدي الحرب أو صدمة الطاقة إلى رفع توقعات التضخم، ثم إلى تأجيل خفض الفائدة أو حتى إلى إعادة تسعير المسار النقدي نحو مستويات أعلى ولمدة أطول. عندها لا تعود الحرب داعمًا تلقائيًا للذهب، بل تصبح عاملًا يرفع كلفة الاحتفاظ به.

وهذا بالضبط ما أعاد السوق تذكيره بقسوة في مارس 2026. فبحسب رويترز، كان الذهب في 31 مارس على مسار أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر 2008، رغم ارتفاعه في إحدى الجلسات بأكثر من 3%. السبب لم يكن اختفاء التوتر الجيوسياسي، بل العكس: الحرب رفعت أسعار النفط، ما كثّف المخاوف التضخمية، ودفع الأسواق إلى مراجعة توقعاتها للفائدة نحو مستويات أعلى، فيما بقي الدولار على مسار مكاسب شهرية. وبحلول ذلك اليوم، كان الذهب منخفضًا 11.8% خلال مارس. المفارقة هنا لا تخطئها العين: الأزمة كانت كبيرة بما يكفي لتخويف السوق، لكنها كانت أيضًا تضخمية بما يكفي لمعاقبة الذهب.

هذا هو المعنى الحقيقي لفشل الذهب في بعض اللحظات: ليس لأن صفته كملاذ آمن كانت وهمًا، بل لأن نوع الأزمة تغيّر. فالذهب يزدهر عادة حين يكون الخوف انكماشيًا أو سياسيًا أو ماليًا، وحين يدفع المستثمرين إلى التحوط من المخاطر ومن هشاشة الأصول الأخرى. لكنه يتراجع حين يصبح الخوف نفسه مولّدًا للتضخم، وحين تتحول الحرب إلى نفط أغلى، والعوائد الحقيقية إلى خصم مباشر، والدولار إلى ملاذ أكثر إلحاحًا. في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: هل العالم خائف؟ بل: ممَّ يخاف العالم تحديدًا، وكيف يترجم هذا الخوف في التسعير؟

ملاذ مشروط لا أسطورة

لهذا، ربما تكون أفضل طريقة لفهم الذهب هي أن ننزع عنه صفة “الملاذ المطلق” من دون أن نسلبه مكانته الحقيقية. فهو ليس أسطورة استثمارية، لكنه ليس بوليصة تأمين تعمل في كل ظرف أيضًا. إنما هو ملاذ مشروط: ينجح بقوة عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية أو يشتد عدم اليقين في السياسات أو تهتز الثقة في الأصول المالية، شرط ألا تتحول الصدمة إلى أزمة سيولة خانقة، وألا تعيد الأزمة نفسها تسعير الفائدة والدولار ضده. هذه ليست ملاحظة تقنية فحسب، بل مفتاح لفهم العلاقة بين السياسة والأسواق والاقتصاد الكلي في لحظة واحدة.

في النهاية، الذهب لا يكذب، لكن المستثمرين كثيرًا ما يسيئون طرح السؤال عليه. من يطلب منه أن يربح في كل أزمة سيخرج خائبًا في بعض المنعطفات. أما من يفهم أن الذهب لا يتحرك فقط مع منسوب الخوف، بل مع شكل الخوف، ومع اتجاه الدولار، ومسار الفائدة، وطبيعة السيولة في السوق، فسيقرأ دوره على نحو أدق بكثير. وحينها فقط يصبح الذهب ما هو عليه فعلًا: ليس ملاذًا آمنًا دائمًا، بل ملاذًا ثمينًا عندما تتوافر شروطه.