Skip to main content

الذهب لا يهبط اليوم لأنه فقد قيمته كملاذ آمن، بل لأنه عالق بين نارين: خوف جيوسياسي كان يفترض أن يدعمه، وصدمة تضخمية نقدية باتت تضغط عليه أكثر. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبدو أن السوق تخشى الفائدة المرتفعة والدولار القوي أكثر مما تراهن على الذهب وحده. هذا لا يلغي قصته الكبرى، لكنه يعني ببساطة أن الطريق إلى الصعود لم يعد مستقيمًا كما كان قبل أسابيع.

السوق تخشى التضخم والفائدة المرتفعة أكثر من الخوف الجيوسياسي

كان يفترض نظريًّا أن يستفيد الذهب من تصاعد التوترات الجيوسياسية، لكنه فعل العكس في الأيام الأخيرة. وهذا ليس تناقضًا بقدر ما هو تحوّل في طريقة قراءة السوق للمشهد. فالذهب لا يواجه اليوم تراجعًا في صفته كملاذ آمن، بل يواجه منافسة من رواية أخرى أقوى حاليًّا: صدمة الطاقة، التضخم الأعلى، والدولار الأقوى.

هبط الذهب الفوري إلى 4,563.64 دولارًا للأونصة في ختام تداولات الجمعة، بعد أن كان قد نزل إلى 4,612.21 دولارًا في جلسة الخميس، ليسجل ثالث خسارة أسبوعية على التوالي. وبالمقارنة مع القمة القياسية البالغة 5,594.82 دولارًا التي سُجلت في 29 يناير، فإن الذهب فقد نحو 18% من قيمته في تصحيح سريع وعنيف نسبيًّا. وهذا أسوء أداء أسبوعي منذ عام 1982.

المشكلة ليست في الحرب وحدها… بل في ما تفعله الحرب بالنفط

السبب المباشر وراء الضغط على الذهب هو أن السوق لم تعد تنظر إلى الحرب فقط كعامل خوف، بل كعامل تضخمي أيضًا. فاضطراب الإمدادات وتهديد الملاحة في المنطقة الحساسة للطاقة دفعا أسعار النفط إلى الارتفاع القوي، وأعادا إلى الواجهة سيناريو التضخم المستورد. هنا تبدأ معادلة الذهب بالتعقّد: عندما ترتفع أسعار الطاقة، ترتفع معها توقعات التضخم، لكن هذا لا يعني تلقائيًّا صعود الذهب، لأن الأسواق تبدأ في الوقت نفسه بتسعير فائدة أعلى لفترة أطول.

بعبارة أكثر مباشرة، السوق لا تقول الآن إن الخطر الجيوسياسي انتهى، بل تقول إن هذا الخطر قد يمنع البنوك المركزية من العودة السريعة إلى خفض الفائدة. وهذه نقطة حساسة للغاية بالنسبة إلى الذهب، لأنه أصل لا يدر عائدًا، وكلما ارتفع العائد على النقد والسندات، ازدادت كلفة الاحتفاظ به.

الفيدرالي لم يمنح الذهب الدعم الذي كان ينتظره

ما زاد الضغط على المعدن النفيس أن الاحتياطي الفيدرالي لم يرسل رسالة مريحة للأسواق. فبحسب أحدث التوقعات، ارتفع تقدير البنك المركزي الأمريكي لتضخم PCE إلى 2.7% هذا العام، كما ارتفع تقدير Core PCE إلى 2.7% أيضًا. وفي توزيع التوقعات، رأى 7 من صناع السياسة عدم إجراء أي خفض للفائدة هذا العام، بينما رأى 7 آخرون خفضًا واحدًا فقط، في حين توقع 5 خفضين أو أكثر. والأكثر لفتًا أن أحد أعضاء الفيدرالي أصبح يرى حتى احتمال رفع الفائدة في العام المقبل.

هذه الأرقام تكفي وحدها لفهم لماذا لم يجد الذهب دعمًا قويًّا من التوترات. فالسوق كانت تريد من الفيدرالي أن يطمئنها إلى أن دورة التيسير ما تزال قائمة. لكنها تلقت بدلًا من ذلك رسالة أكثر تحفظًا، تقول إن التضخم لم يُهزم بعد، وإن صدمة الطاقة قد تجعل الطريق إلى الخفض أبطأ بكثير مما كان متوقعًا قبل أسابيع.

الدولار خطف دور الملاذ الأول

عامل آخر لا يقل أهمية هو قوة الدولار. رويترز أشارت إلى أن العملة الأمريكية استعادت بريقها كملاذ آمن، متفوقة حتى على الذهب نفسه في هذه المرحلة. كما ارتفع الدولار بنحو 2% هذا الشهر بعد ارتداد يقارب 5% من قاع أواخر يناير، فيما أعادت الأسواق تسعير مسار الفائدة من توقعات كانت تميل إلى خفضين هذا العام إلى ما يقارب ربع نقطة فقط بحلول ديسمبر.

وهذه نقطة محورية في تفسير هبوط الذهب. فعندما يصبح الدولار هو الملاذ المفضل، تتراجع ميزة الذهب النسبية، لا سيما على المدى القصير. كما أن قوة الدولار تجعل شراء الذهب أكثر كلفة لحائزي العملات الأخرى، وهو ما يحدّ من الطلب العالمي الفوري عليه، خصوصًا في الأسواق الحساسة للسعر مثل الهند والصين.

جني أرباح بعد صعود تاريخي

يجب أيضًا ألا ننسى أن الذهب جاء إلى هذا التصحيح من مستويات مرتفعة جدًا. فقد ارتفع بنحو 64% في 2025، ثم واصل الصعود في بداية 2026 ليصل إلى مستويات قياسية جديدة. لذلك، فإن أي تحوّل في رواية السوق من “خفض فائدة قريب” إلى “فائدة أعلى لفترة أطول” كان كفيلًا بإطلاق موجة بيع وجني أرباح واسعة. السوق هنا لا تبيع ذهبًا ضعيفًا، بل تخفف مراكز من أصل حقق مكاسب استثنائية خلال فترة قصيرة.

ومن المهم في المقابلات الإعلامية عدم تصوير ما يحدث على أنه انهيار في قصة الذهب الكبرى. الأدق هو القول إن الذهب يمر بمرحلة إعادة تسعير بعد صعود مزدحم، لا سيما مع تبدل البيئة النقدية وعودة الدولار والعوائد إلى الواجهة. هذا الوصف أقرب إلى الواقع من عبارات من نوع “الذهب فقد صفته كملاذ آمن”، لأن هذه الصفة لم تختفِ، لكنها تراجعت مؤقتًا أمام متغيرات نقدية أقوى.

حتى الطلب الفعلي لم يندفع بقوة كافية

في السوق الفعلية، هناك إشارات إلى أن المشترين لم يندفعوا بعد لالتقاط الهبوط بقوة كافية. ففي الهند تقلصت الخصومات إلى 75 دولارًا للأونصة من 83 دولارًا الأسبوع السابق، لكنها بقيت مرتفعة تاريخيًّا، ما يعني أن الطلب الفعلي تحسن قليلًا لكنه لا يزال دون الزخم الكافي. وفي الصين تراجعت العلاوات إلى نطاق 10 إلى 22 دولارًا من 20 إلى 30 دولارًا في الأسبوع السابق، في إشارة إلى أن شهية الشراء لم تكن هجومية رغم التصحيح السعري.

هذا السلوك مهم لأن كثيرين يتوقعون تلقائيًّا أن أي هبوط في الذهب سيجذب المشترين فورًا. لكن ما نراه الآن أكثر تعقيدًا: المشترون موجودون، نعم، لكنهم يتصرفون بانتقائية وحذر، وكأنهم يريدون أولًا أن يعرفوا أين ستستقر أسعار النفط، وأين سيقف الدولار، وماذا سيفعل الفيدرالي لاحقًا. باختصار، الطلب الفعلي لم يختفِ، لكنه ليس في حالة هلع شرائي.

هل يمكن أن يكون هناك مزيد من الانخفاضات؟

نعم، هذا الاحتمال قائم بوضوح. فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، وبقي الدولار قويًّا، وواصلت الأسواق تقليص رهانات خفض الفائدة، فإن الذهب قد يواجه مزيدًا من الضغط في المدى القصير. البيئة الحالية لا تزال سلبية للمعدن الأصفر من زاوية التكلفة البديلة، خصوصًا مع ارتفاع العوائد وتشدد البنوك المركزية في التعامل مع التضخم الطاقي.

السيناريو الأكثر سلبية سيكون بقاء الذهب تحت ضغط نفسي وسعري إذا واصلت السوق الاعتقاد أن خفض الفائدة لن يأتي قريبًا. عندها لن يكون الهبوط مجرد رد فعل عابر، بل تمديدًا لموجة التصحيح الحالية. أما إذا بدأت أسعار الطاقة بالهدوء، أو ظهرت إشارات أوضح إلى انحسار المخاطر على الإمدادات، فقد يتراجع الدولار والعوائد معًا، وهو ما يمنح الذهب مساحة لارتداد فني وربما استراتيجي.

لكن الصورة الكبرى لم تنكسر بعد

ورغم هذا كله، لا تزال هناك عناصر هيكلية داعمة للذهب على المدى الأبعد. فصناديق الذهب المتداولة المدعومة فعليًّا سجلت في فبراير تدفقات داخلة بقيمة 5.3 مليارات دولار، لترتفع الحيازات العالمية 26 طنًّا إلى مستوى قياسي بلغ 4,171 طنًّا، بينما وصلت الأصول المدارة إلى 701 مليار دولار، وهو رقم قياسي أيضًا. هذه ليست أرقام سوق فقدت الثقة بالذهب، بل أرقام سوق ما زالت ترى فيه أصلًا استراتيجيًّا، حتى لو كانت تبيعه تكتيكيًّا في الأجل القصير.

لهذا، فإن القراءة الأكثر اتزانًا هي أن الذهب يمر حاليًّا بمرحلة ضغط ناتجة عن قوة الدولار وارتفاع توقعات التضخم والفائدة، لا عن انهيار في دوافعه الأساسية. وإذا هدأت صدمة الطاقة، فقد تعود العوامل التقليدية الداعمة للذهب إلى الواجهة بسرعة. أما إذا طال أمد الاضطراب النفطي، فإن السوق قد تفرض على الذهب جولة إضافية من الهبوط قبل أن تسمح له بالتقاط أنفاسه.