في سوق لا يرحم، حيث تموت الشركات بصمت أو تختفي في ظل العناوين الكبرى، برز سهم Carvana كظاهرة لا يمكن تجاهلها. شركة بيع السيارات المستعملة عبر الإنترنت، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس، تحولت خلال عامين إلى قصة تعافٍ مذهلة هزّت أروقة وول ستريت وأربكت المراهنين على سقوطها.
لكن كيف بدأت القصة؟ وما الذي قاد هذا السهم إلى الهبوط الحاد، ثم إلى أحد أكثر الارتفاعات المفاجئة في السوق الأميركي؟ إليك القصة من البداية.

البداية الطموحة… ثم الصدمة
تأسست Carvana بفكرة بسيطة وجريئة: شراء وبيع السيارات المستعملة بالكامل عبر الإنترنت، دون وسطاء، دون معارض تقليدية، وباستخدام ماكينات “آلية” لتسليم السيارات مثل آلات بيع المشروبات. وبالفعل، جذبت الشركة استثمارات ضخمة، وقفز سهمها من نحو 30 دولاراً في 2019 إلى أكثر من 360 دولاراً في 2021، وسط طفرة الطلب على السيارات المستعملة بسبب أزمة سلاسل التوريد خلال الجائحة.
لكن ما بعد الوباء كان مختلفاً. مع عودة الإنتاج وارتفاع أسعار الفائدة بسرعة قياسية من الفيدرالي الأميركي، بدأ نموذج Carvana في التصدع. الشركة التي توسعت بسرعة ضخمة أصبحت مثقلة بديون ضخمة فاقت 7 مليارات دولار، في وقت تراجع فيه الطلب وبدأت هوامش الربح بالتآكل.
وفي خضم أزمة ثقة ضربت الشركات ذات النمو العالي، بدأ السهم يتهاوى بشراسة، لينخفض من ذروته البالغة 376 دولاراً إلى ما دون 4 دولارات فقط في نهاية 2022. تقارير الإفلاس بدأت تتداول. وكل من اشترى السهم فوق مستوى 50 دولاراً أصبح في منطقة “محروقة”.
لحظة الحقيقة: من الحافة إلى الارتداد
في العام 2023، بدا أن Carvana لن تنجو. لكن خلف الكواليس، كانت الشركة تعمل على خطة إنقاذ غير تقليدية. أعادت هيكلة جزء من ديونها، قلصت المصاريف التشغيلية، خفّضت التوسع، وركّزت على تعزيز هامش الربح لكل مركبة بدلاً من زيادة الحصة السوقية بأي ثمن.
وفي الربع الأخير من 2023، بدأت الأرقام بالتحسن تدريجياً. ومع دخول عام 2024، أظهرت الشركة أول مؤشرات الربحية منذ عامين. السوق تجاهل ذلك في البداية، لكن شيئاً ما كان يتغير في العمق.
الانعطاف الحقيقي جاء في مايو 2025، حين أعلنت Carvana نتائج ربع أول فاقت كل التوقعات:
- ارتفاع عدد المركبات المباعة إلى 133,898 مركبة
- قفزة بنسبة 38% في الإيرادات
- ربح صافٍ 1.51 دولار للسهم، مقارنة بخسارة في العام السابق
- هامش ربح إجمالي فوق 17% للمرة الأولى
المحللون، الذين كانوا يصنفون السهم على أنه “حالة ميؤوس منها”، بدأوا فجأة بتحديث توصياتهم. بنوك الاستثمار الكبرى مثل JPMorgan وPiper Sandler منحت السهم نظرة “شراء”، وحدد البعض هدفاً فوق 350 دولاراً — أي ما يعادل ارتفاعاً بـ9000% من القاع التاريخي.
الطفرة الثانية: بين التعريفات والمضاربة
في خضم هذا التعافي المالي، أتت عوامل خارجية ساعدت على تسريع الصعود:
- قرارات إدارة ترامب في 2025 بفرض تعريفات جديدة على السيارات المستوردة، أدت إلى ارتفاع أسعار السيارات الجديدة. هذا جعل السوق يتحوّل مجدداً نحو السيارات المستعملة، ما عزز الطلب على خدمات Carvana.
- مؤشر Manheim لأسعار السيارات المستعملة ارتفع بنسبة 4.9% على أساس سنوي في أبريل، ما انعكس إيجاباً على عائدات الشركة.
- تغطية المراكز المكشوفة (Short squeeze) لعبت دوراً حاسماً، إذ إن المستثمرين الذين راهنوا على هبوط السهم اضطروا للشراء بسرعة لتغطية مراكزهم، ما زاد من الزخم الصعودي.
ما وراء الأرقام: هل الصعود مستدام؟
اليوم، يتداول سهم Carvana حول مستويات 340 إلى 360 دولاراً. القصة لم تعد عن “إنقاذ شركة” بل عن “إعادة تقييم نموذج العمل بالكامل”. لكن، هل ما زال هذا السهم فرصة استثمارية؟ أم أن السوق أصبح يتجاهل المخاطر مجدداً؟
الديون لا تزال مرتفعة، والمنافسة في سوق السيارات المستعملة شرسة، والتقلبات الاقتصادية تبقى عاملاً غير محسوب. ومع ذلك، فإن التحول من شركة مهددة بالإفلاس إلى شركة ربحية قوية في أقل من 24 شهراً هو درس في المرونة… وفرصة نادرة في وول ستريت.



