لم يكن الذهب يومًا سلعة عادية، بل رمزًا للقوة المالية ومخزنًا للقيمة عبر قرون من الاضطراب الاقتصادي والحروب. لكن في صيف 2025، وجد المعدن النفيس نفسه فجأة في قلب مواجهة سياسية وتجارية أشعلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مهددًا بفرض رسوم جمركية على واردات سبائك الذهب – بما فيها سبائك الكيلوغرام القادمة من سويسرا، قلب صناعة تكرير الذهب في العالم.
الخبر، الذي تسرب أولًا عبر خطاب رسمي إلى مصفاة سويسرية قبل أن يتسرب إلى الأسواق، كان كفيلًا بإشعال الأسعار في بورصة كومكس بنيويورك، حيث قفزت العقود الآجلة إلى مستويات قياسية تتجاوز 3,530 دولارًا للأونصة، قبل أن تتراجع مع صدور إشارات متناقضة من البيت الأبيض حول النية الفعلية للتطبيق. لكن الضرر كان قد وقع: السوق اكتشفت أن حتى الذهب – السلعة التي تعاملت معها التشريعات الأمريكية لسنوات على أنها أداة مالية لا تخضع لرسوم الاستيراد – أصبح ورقة على طاولة المفاوضات.
الشرارة التي أحرقت الهدوء
في 8 أغسطس، تلقّت إحدى كبريات مصافي الذهب السويسرية رسالة من هيئة الجمارك الأمريكية تُبلغها بأن سبائك الكيلوغرام – قلب تجارة الذهب بين أوروبا وأمريكا – ستخضع لرسوم جمركية ضمن نظام الرسوم “المتكافئة” الذي يتبناه الرئيس دونالد ترامب. لم يكن هذا إعلانًا عامًا، بل إخطارًا إداريًا صامتًا، سرعان ما تسرب إلى الأسواق، ليشعل واحدة من أعنف جلسات الذهب في تاريخ بورصة كومكس بنيويورك.
قفزت أسعار العقود الآجلة للذهب فوق 3,530 دولارًا للأونصة، فارقةً عن أسعار لندن بأكثر من 100 دولار – فجوة قياسية. ثم تراجعت فجأة بعد أن لمح البيت الأبيض إلى أن الأمر قد يكون “سوء فهم” سيتم تصحيحه بأمر تنفيذي. لكن الأسواق كانت قد استوعبت الرسالة: لا شيء محصّن أمام حرب الرسوم.
كسر القواعد القديمة
منذ أن أصبحت لندن ونيويورك محورَي تجارة الذهب العالمية، اعتمدت السوق على تدفق سلس للسبائك بين المراكز الكبرى: سبائك لندن الكبيرة تُذاب في مصافي سويسرا وتُعاد سبكها في قوالب صغيرة قابلة للتسليم في كومكس، ثم تُشحن إلى حيث يوجد الطلب الأكبر، من مومباي إلى دبي وهونغ كونغ. هذا النظام، الذي يدعم تداولات يومية تقدر بـ 300 مليار دولار، هشّ بطبيعته لكنه ظل متماسكًا لعقود.

تهديد ترامب بفرض رسوم تصل إلى 39% على الذهب السويسري كان يعني عمليًا قطع شريان رئيسي بين لندن ونيويورك، وجعل تجارة السبائك الأمريكية مع أوروبا وآسيا غير مجدية ما لم تقفز الأسعار إلى ما يقارب 4,700 دولار للأونصة. وهو مستوى كفيل بإعادة رسم خريطة تسعير الذهب عالميًا.
الذهب كسلاح سياسي
ما يجعل هذه الأزمة مختلفة عن أزمات الذهب السابقة أنها لا تأتي من نقص في المناجم أو اضطرابات في الطلب، بل من قرار سياسي يضع المعدن النفيس في نفس خانة الصلب والسيارات في حرب الرسوم الجمركية. وكأن البيت الأبيض يختبر فكرة أن الذهب، مثل أي سلعة أخرى، يمكن أن يُستخدم للضغط على الخصوم أو لمكافأة الحلفاء.
هنا تكمن المفارقة: الذهب تاريخيًا كان الملاذ الذي يهرب إليه المستثمرون عند تصاعد التوترات الجيوسياسية أو المالية، لكن ماذا لو أصبح هو نفسه مصدر هذه التوترات؟
لعبة العرض والطلب تحت الضغط
الولايات المتحدة تستورد معظم ذهبها من كندا (28%)، سويسرا (13%)، والمكسيك (16%)، وهي جميعًا ضمن دائرة الاستهداف المحتملة لرسوم ترامب “المتكافئة”. وهذا يعني أن حتى البدائل الممكنة ليست بمنأى عن القيود. شركات التكرير التي تعمل بهوامش ربح ضئيلة، خصوصًا في سويسرا، حذرت من أن خسارة السوق الأمريكية قد تدفع بعضها للإغلاق أو إعادة توجيه الإنتاج نحو آسيا، ما يعزز قوة مراكز مثل شنغهاي ودبي على حساب نيويورك.

تداعيات تتجاوز السوق
التداعيات المحتملة تتجاوز ارتفاع الأسعار وفوارق التداول بين لندن ونيويورك، لتطال ثقة المستثمرين في شفافية واستقرار سوق الذهب العالمية. فالتجار والبنوك والمستثمرون الكبار – بمن فيهم البنوك المركزية – بدأوا يدركون أن الذهب لم يعد محصنًا من قرارات السياسة التجارية.
الأكثر إثارة أن هذه الحادثة قد تفتح الباب أمام تسعير الذهب وفق اعتبارات سياسية، حيث قد يختلف السعر بين الحلفاء والخصوم تبعًا للرسوم المطبقة، وهو سيناريو غير مسبوق في تاريخ المعدن.
ما وراء العناوين
في النهاية، سواء تم تنفيذ الرسوم أو التراجع عنها، فإن الضرر المعنوي وقع. الأسواق الآن تعلم أن البيت الأبيض مستعد لزعزعة حتى أقدم القواعد غير المكتوبة في التجارة العالمية إذا كان ذلك يخدم أهدافه التفاوضية. وهذا بحد ذاته كفيل بإبقاء الذهب متقلبًا وعرضة لارتفاعات مفاجئة بمجرد صدور أي تصريح من واشنطن.
الذهب، الذي كان يومًا ملاذًا من السياسة، أصبح فجأة جزءًا منها. والسؤال الآن: هل نحن أمام بداية عصر جديد يتحدد فيه سعر المعدن الأصفر بقدر ما يتحدد سعر النفط – عبر لعبة النفوذ الجيوسياسي؟
ماذا عن سعر الذهب؟
في حال مضت إدارة ترامب في فرض رسوم جمركية على واردات سبائك الذهب – خصوصًا من سويسرا وكندا والمكسيك – فإن الأشهر الثلاثة المقبلة قد تشهد مسارًا سعريًا مضطربًا، مع 3 مراحل رئيسية:
1. المرحلة الأولى (قصيرة المدى – الأسابيع الأولى): صدمة العرض وارتفاع مفاجئ
- بمجرد دخول الرسوم حيّز التنفيذ، ستتعطل تدفقات السبائك إلى السوق الأمريكية، خصوصًا الكيلوغرامات المهيأة للتسليم في بورصة كومكس.
- سيقفز السعر الفوري في نيويورك سريعًا فوق 3,600–3,700 دولار للأونصة، مع اتساع الفارق السعري عن لندن إلى أكثر من 100–150 دولار.
- الصناديق الاستثمارية وصغار المستثمرين سيزيدون مشترياتهم تحسبًا لنقص الإمدادات، مما يرفع الأسعار فوق ما تبرره العوامل الأساسية.
2. المرحلة الثانية (متوسطة المدى – الشهر الثاني): إعادة تموضع السوق
- بعض الشحنات قد تتحول من أسواق بديلة مثل أستراليا أو أمريكا اللاتينية، لكن بتكلفة أعلى ووقت شحن أطول، مما يبقي الأسعار مرتفعة نسبيًا.
- إذا ترافق ذلك مع ضعف الدولار أو استمرار التوترات الجيوسياسية (مثل الشرق الأوسط أو آسيا)، فقد يحافظ الذهب على مستويات 3,650–3,800 دولار حتى مع تراجع الزخم المضاربي.
- في هذه المرحلة، البنوك المركزية – خاصة في آسيا والشرق الأوسط – قد تستغل اضطراب السوق لزيادة مشترياتها، مما يدعم الأسعار.
3. المرحلة الثالثة (إما تصعيد أو انفراج – الشهر الثالث)
- سيناريو التصعيد: إذا استمرت الرسوم أو توسعت لتشمل المزيد من الشركاء التجاريين، قد نشهد اختبار مستويات 3,900–4,000 دولار، خاصة إذا تصاعدت المخاوف من أزمة سيولة في الذهب الفعلي.
- سيناريو الانفراج: إذا تراجعت الإدارة الأمريكية عن الرسوم أو قدمت استثناءات لمورّدين رئيسيين، فقد تهبط الأسعار سريعًا نحو 3,500–3,550 دولار، لكن مع بقاء “علاوة المخاطر” في السوق أعلى من مستويات ما قبل الأزمة.



