Skip to main content

في الربع الأول من عام 2025، سجّل الاقتصاد الأميركي أول انكماش له منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. ورغم أن الانخفاض لا يزال طفيفًا في ظاهره، إلا أن جذوره تكشف عن اضطراب عميق ناتج عن التحولات السياسية والتجارية المتسارعة، خاصة في ظل عودة السياسات الحمائية التي يقودها الرئيس دونالد ترامب.

📉 أرقام مثيرة للقلق: النمو يتحول إلى انكماش

وفقًا للتقدير الأولي الصادر عن وزارة التجارة الأميركية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي (GDP) بنسبة 0.3% في الربع الأول من 2025، بعد أن كان قد حقق نموًا بنسبة 2.4% في الربع الأخير من 2024.
هذا الانكماش كان أسوأ من توقعات الاقتصاديين الذين رجّحوا نموًا بنسبة 0.8%، مما يجعل الربع الأول هو الأسوأ منذ ربيع 2022 — في فترة ما بعد جائحة كورونا مباشرة.

لكن السؤال الأهم ليس: ما هو الرقم؟
بل: لماذا حدث؟

🎯 السبب: تعرفة ترامب “الوقائية” قلبت التوازن

الرئيس ترامب، الذي عاد للبيت الأبيض بتوجه تصعيدي في السياسة التجارية، أعلن في 2 أبريل 2025 فرض تعرفات جمركية واسعة النطاق على السلع المستوردة، خاصة من الصين والدول الأخرى التي يصفها بأنها “تستغل السوق الأميركي”.

وبالرغم من أن هذه الرسوم لم تدخل حيز التنفيذ إلا بعد نهاية الربع، إلا أن الشركات الأميركية سارعت لتخزين البضائع بكثافة في الأشهر الأولى من السنة، في محاولة لتجنب الارتفاع المتوقع في الأسعار.

النتيجة؟
ارتفاع ضخم في الواردات، ما أدى إلى “تشويه” بيانات النمو، حيث يتم احتساب الواردات كعنصر سلبي في معادلة الناتج المحلي الإجمالي.
كما شهدنا تباطؤًا في الإنفاق الحكومي بنسبة 5.1%، بسبب سياسات تقشفية شاملة، تمثلت في تقليص عدد كبير من الموظفين الفيدراليين، وإغلاق وكالات رسمية مهمة، ووقف تمويل الأبحاث العلمية والصحية.

💥 الكلفة السياسية: الركود يقترب من العتبة

تعتمد الحسابات الاقتصادية في الولايات المتحدة على الثقة، والطلب الاستهلاكي، واستقرار التجارة. لكن:

  • تعرفات ترامب بدأت بإعادة تشكيل البيئة الاستهلاكية: شركات مثل Walmart وTarget بدأت فعليًا برفع أسعارها.
  • البيانات الأولية لسوق العمل (تقرير ADP) أظهرت تباطؤًا كبيرًا، مع إضافة 62,000 وظيفة فقط مقارنة بـ134,000 متوقعة.
  • تقارير الإنفاق تشير إلى تراجع في تراكم المخزون، ما يُنذر بـ”هاوية طلب” في الربع الثاني.

كل هذا يشير إلى أن تسريع الطلب في بداية العام بشكل مصطنع، قد يؤدي إلى فجوة حادة في الطلب لاحقًا، ما يجعل التباطؤ الاقتصادي أكثر حدة واستمرارية.

💡 ومضة تفاؤل مؤقتة: مقياس آخر يظهر صمود الطلب المحلي

رغم الأرقام السلبية في الناتج الإجمالي، أظهر مؤشر “المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص” نموًا بنسبة 3%، ما يعكس بعض الصمود في الطلب الاستهلاكي الأساسي، مقارنة بـ2.9% في الربع السابق.

لكن هذا المؤشر لا يعكس واقع العوامل الخارجية (الواردات، العجز الحكومي، الرسوم)، ولا يغيّر من النظرة العامة بأن الاقتصاد على حافة تباطؤ ممتد.

🏦 الفيدرالي يترقب: لا تخفيضات قريبة

في ظل هذا المزيج المعقّد من التباطؤ والتضخم المحتمل، من المرجّح أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي على سياسة “الانتظار والترقب” في اجتماعه القادم.

فرغم تزايد المخاوف من الركود، إلا أن الصدمات التضخمية الناجمة عن الرسوم الجمركية المرتقبة تدفع الفيدرالي إلى الحذر، إذ قد تُغذي هذه الرسوم موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، ما يمنع المركزي من خفض الفائدة في المدى القريب.

الخلاصة: ترامب يشعل نار الركود… من البوابة التجارية

بينما يسعى الرئيس ترامب لتثبيت رؤيته “أميركا أولاً”، يدفع الاقتصاد الثمن مبكرًا.
البيانات تشير بوضوح إلى أن سياسات التجارة العدوانية، وتقليص حجم الدولة الفيدرالية، قد تُفضي إلى ركود تقوده الصدمات الخارجية، لا الاختلالات الداخلية.

السؤال الآن ليس: هل هناك تباطؤ؟
بل: هل دخل الاقتصاد الأميركي مرحلة الركود فعلاً؟

الربع الثاني سيكون الفيصل.


الأسئلة الشائعة

❓لماذا أثر ارتفاع الواردات سلبًا على الناتج المحلي؟

لأن الواردات تُحسب كعنصر سلبي في معادلة الناتج، وكلما زادت الواردات على حساب الإنتاج المحلي، انخفض الناتج الإجمالي.

❓هل التعرفات الجمركية تُسبب ركودًا دائمًا؟

ليس بالضرورة، لكن إذا جاءت بشكل مفاجئ وشامل، قد تُحدث صدمة في سلاسل التوريد وتُقلل من الطلب الاستهلاكي، مما يؤدي إلى تباطؤ عام.

❓هل سيتدخل الفيدرالي عبر تخفيض الفائدة؟

حاليًا، البيانات لا تدعم التخفيض السريع، لكن إذا تسارعت مؤشرات الركود، قد يُجبر على التدخل في النصف الثاني من 2025.